الاحتلال لا يقتل فقط، بل يسرق المعرفة من طلاب فلسطين!
في وقت يُطلب فيه من طلاب غزة العودة لمدارسهم وكأنهم غابوا يومين فقط، وبعد أن دُمّرت أكثر من 70٪ من مدارس وجامعات القطاع، يُطرح سؤال كبير:
كم سنة دراسية سرقها الاحتلال من الفلسطينيين؟
وكيف نُعيد بناء التعليم من قلب التجربة الفلسطينية، لا فوق أنقاضها؟
في هذه الحلقة من بودكاست تقارب، نفتح ملف الإبادة التعليمية في فلسطين، ونتتبع أثر الحروب، والاجتياحات، والاضطرابات المستمرة على طلاب غزة والضفة:
📚 ما هو الفاقد التعليمي؟ وكيف تراكم حتى بلغ 100٪ بعد الإبادة؟
📚 لماذا العودة للمنهاج القديم ظلم جديد لطلاب غزة؟
📚 هل يعقل أن نُرجع طالبًا نجا من الحرب إلى صفّه كأن شيئًا لم يكن؟
📚 ما الذي تحتاجه المدارس الفلسطينية لتواكب واقعها الحقيقي؟
🎯 ونناقش:
🔍 كيف أثّر الاحتلال على التعليم الأساسي والجامعي؟
🔍 ما أدوات تعويض الفاقد؟ وهل المبادرات المجتمعية كافية؟
🔍 كيف تتحول الأزمات إلى فرصة لتجديد العملية التعليمية؟
🔍 هل المعلم الفلسطيني مؤهل فعلًا للتعامل مع هذه الطوارئ؟
🔍 كيف نحرّر التعليم من النموذج الاستعماري القديم؟
🧠 الضيفة: د. سائدة عفّونة
بروفيسورة في التعليم في ظل الحروب والطوارئ، وصاحبة مبادرات مجتمعية في دعم تعليم طلبة غزة.
🎙️ المحاور: أحمد البيقاوي
نرفق لكم في الأسفل نص تفريغ الحلقة الصوتية بالكامل:
سائدة عفونة: يوجد فاقد تعليمي الآن تجاوز المئة بالمئة، ولكي نعوّضه نحتاج على الأقل سبع سنوات كي يعوَّض. حتى المؤسسة الرسمية، الوزارات والجامعات لا يتعاملون مع معايير التعليم في ظل الحروب والطوارئ، هم يتعاملون مع معايير العالم كله، الجودة العالمية.
أحمد البيقاوي: مصطلح الإبادة التعليمية هل خرج في سياقنا نحن؟
سائدة عفونة: أول ما نشأ هذا المصطلح نشأ في العراق. الحديث الآن عن عودتنا إلى المدارس بشكلها السابق بمناهجها القديمة، هذا إجحاف جديد وظلم كبير لكل التجربة التي عاشتها غزة.
سائدة عفونة: الطالب أصبح يعتقد ويستخدم حالة الطوارئ لمصلحته.
في غزة يوجد أكثر من 160 مبادرة مجتمعيةحاليًا، هذه المبادرات تقوم بتغطية حوالي ثلاثين في المئة من الطلاب.
نسبة التسرب في المدارس قليلة جدًا على فكرة ولكنّها خفية.
فالطالب سيصل للجامعة الآن لأنه ترفع بشكلٍ تلقائي، لكنه بمستوى معرفي ومهاراتي أقل.
سائدة عفونة: تحية فلسطينية لجميع المستمعين والمشاركين، أنا اسمي سائدة عفونة، فلسطينية أحمل درجة البروفيسور في مجال التعليم في ظل الحروب والطوارئ وتكنولوجيا التعليم. كنتُ اليوم ضيفة أحمد البيقاوي في تقارب، أحب أن أشير للتقارب الكبير الذي شعرت فيه خلال وجودي في هذه المساحة الفضائية النقاشية الحوارية، التي أثارت تحدي وشغف ودافعية. شعرت بالقرب الكبير منكم كلكم وأنا أتكلم عن موضوع التعليم في فلسطين، مفهوم الطوارئ، الأمل والمستقبل للتعليم بفلسطين، أتمنى غدًا يكون أحسن. وشكرًا كثيرًا للتقارب ولكل فريق العمل في تقارب.
أحمد البيقاوي: مرحبًا وأهلًا وسهلًا بكم، في حلقٍة جديدة من بودكاست تقارب، معكم أنا أحمد البيقاوي وضيفتي لليوم الدكتورة العزيزة سائدة عفونة. الدكتورة سائدة هي عميدة كلية العلوم التربوية في جامعة النجاح ومتخصصة في التعليم في الطوارئ في ظل الطوارئ. تخصص يساعدنا أن ندخل في سياق التعليم والعملية التعليمية في فلسطين تحت الاحتلال بشكٍل غير تقليدي، من مكاٍن ثاٍن، من منظوٍر ثاٍن، من منظوٍر ليس مؤسساتي ومعايير دولية يجب أن نطبقها. عادًة المدارس نتكلم عنها كأنّها هي المستقبل، ولمّا آبائنا وأهالينا يتحدثون عنها يكونوا يبشّروننا بمستقبٍل كبيٍر مرهون بالعملية التعليمية وأدائنا فيها. لكن في فلسطين الوضع مختلف، المدارس تُقصف والطلاب يستشهدوا. المدرسين متعبين ومنهكين، والعملية التعليمية ككل لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الطارئة التي يمر فيها بقدر ما تأخذ بعين الاعتبار المعايير الدولية والمعايير الأوروبية. التي تعتبر أنّ المسيرة التعليمية هكذا يفترض أن تكون كمسيرة عظيمة ومثالية في فلسطين. الظروف التي نمر فيها، سواء إذا بدأنا فقط من الانتفاضة الثانية للحروب المتكررة على غزة، وأيضًا كورونا لإضرابات المعلمين، للإبادة التي نعيشها واقتحام مخيمات الضفة ومدن الضفة، كلها عمليًا تصنع شيء اسمه الفاقد التعليمي عند الطلاب. سنناقشه اليوم ونتعرف على فكرة الإبادة التعليمية أو الإبادة المعرفية التي يقوم الاحتلال بها اليوم في أهل غزة تحديدًا. وسنرى أيضًا إذا كان جزء من سياسة الاحتلال هو تجهيلنا، وتحويلنا إلى أيادي عاملة رخيصة في بعض مناطق فلسطين وفي مناطق أخرى في فلسطين. في نقاش آخر أيضًا يذهب باتجاه إشغال الطلاب وإشغال النخب الفلسطينية ببعض التخصصات التي تجعلهم بعيدة عن السياسة. سنركز على سياسات الاحتلال كلها، سواء تعليمنا أو تجهيلنا وماذا يعلمنا؟ وكيف يعمل على تجهيلنا؟ وكيف يحولنا لأيادي عاملة رخيصة؟ أو كيف يحولنا لأيادي مهنية؟ وأي نوع من الأيادي المهنية؟ سنناقش هذه المواضيع كلها لنرى أثر الاحتلال على العملية التعليمية ككل في السياق الفلسطيني. قبل أن نبدأ أريد أن أشكركم مقدماً على مشاركتكم هذا المحتوى مع كل شخص ممكن أن يكون مهتمًا فيه. شكرًا على اشتراككم في قناة اليوتيوب وقنوات الاستماع، وشكرًا وأدعوكم فعليًا للاشتراك في النشرة البريدية، رابطها موجود في الوصف سيصلكم يوم الجمعة تفاصيل أكثر عن هذه الحلقة. وأيضًا الإعلان الأول سيكون عن الحلقة القادمة وتفاصيل خاصة بكم أنتم لوحدكم. وشكراً لكل من يساهم في استمرار تقارب، شكرًا لكل من يدعم تقارب عبر الرابط الموجود في الوصف، وبهكذا نبدأ.
سائدة عفونة: عندك العرس الفلسطيني.
أحمد البيقاوي: عندي حفلة فلسطينية.
سائدة عفونة: نعم عندي مثله، لو بعرف كنت جلست في المحل الذي هو فيه.
أحمد البيقاوي: يمكن أن تتفضلي، كما شئتِ!
سائدة عفونة: صعب الآن أن أرتبها.
أحمد البيقاوي: يعطيكِ ألف عافية وأهلًا وسهلًا فيكِ.
سائدة عفونة: الله يخليك.
أحمد البيقاوي: دكتورة أول شيء فعلته رأيت التخصص على البروفايل "صفحة شخصية على الإنترنت"، الذي يخصك. وجدتُ فيه شيء اسمه تخصص في التعليم في الحرب والطوارئ، هل يوجد هكذا تخصص؟ !
سائدة عفونة: من المهم أن تعرف الخلفية، أنا بدأت بكالوريوس وماجستير رياضيات. كنت في كلية العلوم ثم في عام 2002 أردت أن أعمل دكتوراه. كانت الانتفاضة الثانية فقلت الفلسطينيون ليسوا بحاجة للرياضيات أكثر، بحاجة لكيفية تحسين التعليم، فحولت كل تخصصي، واتجهت إلى شيء كان جديدًا في كل أوروبا اسمه "التعليم في ظل الحروب والطوارئ"، وكانت الدكتوراه أول دكتوراه في هذا المجال في ذاك الوقت، وعملت نموذج لكيفية تطوير التعليم في فلسطين في ظل الحروب والطوارئ فصار نقلة نوعية. ثم عملت بوست دكتوراه في كيف أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في الحروب والطوارئ، فصار عندي مزيج بين العلوم والتكنولوجيا، والتعليم في ظل الطوارئ وعلم النفس، وعملت في هذا المجال بشكل كبير جدًا، الآن الدكتوراة الثانية التي أعمل عليها تتكلم أكثر عن الإبداع والابتكار في حالات الطوارئ. النظريات الجديدة للإبداع والابتكار، كيف نطبقها على التعليم في حالات الطوارئ في مجال الطوارئ فهذه مزيج من الأشياء.
أحمد البيقاوي: وأنتِ مزيج، بين أي أشياء ما بين الشخصية والنشأة والمهنة في غير سياق مهني، وغير تعريفك الموجود على Google، كيف تعرفينا على نفسك؟
سائدة عفونة: ثائرة لإحداث تغيير للمرأة وللأطفال وللمجتمع بشكل عام، وأرى نفسي قوية بضعفي، وضعيفة بقوتي. أرى نفسي مليئة بالأمل والتفاؤل ودائمًا أبني أملًا لي وللآخرين. حساسة كثيرًا على كل قضايا العالم، أحب أن أعرف عن نفسي أحيانًا بشيء حُكي عني شخص تربوي التقى بي بالصدفة في المطار، ثم كتب مقالة عني وقال: التقيت بامرأة فلسطينية القلب وعالمية العقل، أحب كثيرًا هذه الجملة، كتب مقالة بهذا المعنى، وفعلاً مع كل فلسطينيتي إلا أنني أرى أنّ همي ورسالتي عالمية ليست فقط عن فلسطين. مع أن كل تركيزي في عملي هو على فلسطين. ولكن أعتبر إذا يوجد أحد في العالم يتألم، إذا في فلسطيني يتألم، كل العالم يتألم. وإذا في أي أحد في العالم يتألم، نحن أيضاً نتألم، وأعتقد أن التعليم هو المدخل لذلك. يعني أنا لا أنظر على التعليم على أنه مهنتي، أنا أنظر للتعليم على أنه هو إنسانيتي ورسالتي، لأن التعليم ليس وظيفة والتعليم هو الحياة فأنا أراه من هذا المنظور. وهذا من حسن حظي أن وظيفتي ورسالتي في الحياة التقوا مع بعض، فهذا صنع لي الشغف وأعطاني قيمة للشيء الذي أفعله، قيمة تشجعني كل يوم أن أستيقظ باكرًا في الرابعة صباحًا كي أقرأ أكثر، وكي أتأكد أني أعرف وأفهم ما الذي أعمله، وكي لا يغيب عني أي شيء من التطورات التي تحدث حتى أستطيع أن أظلّ متواصلة أكثر.
أحمد البيقاوي: تخصصك دكتورة يحتاج كثيرًا مواكبة.
سائدة عفونة: فعلًا، الآن أنا أركض مع الذكاء الاصطناعي، أكتب شيءًا جديدًا عن الذكاء الاصطناعي والأزمات. الآن كل الناس تتكلم عن الذكاء الاصطناعي، الآن أعمل على شرح كيف يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في الأزمات؟ وكيف يكون الأداة التي تقتل الحقوق في الأزمات؟ أيضًا هذه من النقاط الخطرة لأنه سلاح ذو حدين. إذا الناس الذين تحت الأزمة أساؤوا استخدامه نتيجة لعدم وعيهم وعدم تركيزهم، ونتيجة للتوتر الذي يعيشونه، قد يكون هو سلاح ضدهم فهذا باب جديد أيضًا.
أحمد البيقاوي: وبذات السياق ذكرتِ قبل قليل فلسطينيتك، فلسطينيتك متى بدأت؟ أو ما هو الحدث بالنشأة في الطفولة الذي تستحضريه، وكان حدثًا فارقًا في فلسطينيتك؟
سائدة عفونة: ممكن أن تستغرب أنني لم أكن واعية وأنا صغيرة أني فلسطينية يعني في معناها شيء مختلف. في أول مرة سافرت كانت على بريطانيا. سافرت مع والدتي فكنت أنا أتكلم قليلًا اللغة الإنجليزية ووالدتي لا تتكلم إنجليزي. فكان عليّّ مساعدتها في المطار وأشياًء أخرى، وعندما أُخبر أحدًا أنني من فلسطين يقولون لي أين فلسطين؟ في تلك اللحظة اكتشفت أن فلسطين بالنسبة لي هي معلم ومعلومة، ولكن هي بالنسبة للعالم غير معروفة. ولما وصلنا هناك كل الناس صارت تقول حين نخبر أحد أننا من فلسطين يقولون يعني باكستان! Palestine Pakistan "فلسطين، باكستان"، فكانت هذه نقطة الانطلاق! أنني يجب أن أعرف أين فلسطين ماذا فلسطين وماذا يعني فلسطيني؟ وهذا أخذني لاحقًا إلى عمل العديد من الورش حتى أتحدث ماذا يعني فلسطين وماذا أشعر حين أكون فلسطينيًّا؟ الشعور بالمجهول، الشعور بأنك غير معروف، أنه دائما يجب عليك أن تعرف عن نفسك. وهذا أخدني بمسلك في كل المؤتمرات التي أذهب إليها والورش، أن أقول أنا امرأة من فلسطين وأيضا هويتي كامرأة أيضا أشعر أنها مغيّبة. كونك أكاديمي ومتحدث وعندك شخصية يجب غالباً أن تكون رجلًا، وليس يجب أن تكون امرأة. وقادم من فلسطين! فهذه نكبتين مع بعض. أنك امرأة وفلسطينية نكبتين مع كل النكبات الأخرى. فدائمًا الهوية يجب أن نتكلم عنها. مع أني عندما أذهب على كل المؤتمرات لا أرى أحد يقول أنا جئت مثلًا من فرنسا أو أنا فرنسي أو أنا رجل أو أنا امرأة. لا فقط نحن أو حتى على الأقل أنا، دائمًا يجب أن أقول أنا من أين. وغالباً أحاول وضع الشال الفلسطيني أو الفستان الفلسطيني، أو الجاكيت الفلسطيني أو أي شيء يرمز لفلسطين. حتى تبقى الصورة محمولة مع الذي يذهب، لأنه ممكن أن ينسى لكن شكلي يكون يعبر عن هويتي. فبدأت في تلك اللحظة وحتى الآن، دائمًا أحاول عند الكلام عن أي شيء، بغض النظر يحكي عن فلسطين أو لا، يحكي عن التعليم، يحكي عن التكنولوجيا. دائمًا أُدخل الهوية البصرية أنني فلسطينية. حتى ترسخ في الذهن أن فلسطين موجودة لأننا لسنا موجودين على الخارطة أبدًا. كنا وإن شاء الله لكن الآن الحمد لله مع حركة الفلسطنة الموجودة في العالم والتي تمكنّا من خلالها أن نحرك كل قلوب الأحرار في العالم، أعتقد الآن صارت أوضح. في آخر مرة سافرت ذهبت إلى إيطاليا، لأول مرة شعرت بالفرق في المطار لأول مرة. أخرجت جوازي وكنت أحمله ألوّح فيه. أول مرة بحياتي! دائما نخبّئه. لكن أول مرة ألوح بالجواز. لأول مرة كان الناس يتكلمون معنا بحب كبير، كانت الناس تتحدث معي بحب، أكثر من شخص جاء يقول لي أنتٍ فلسطينية؟ نحن متعاطفون معكم، نحن نحبكم، نحن نتمنى لكم السلام، نتمنى لكم الأمان. أول مرة شعرت بهذا الإحساس، كان العام ألفين وستة في شهر حزيران، وأنا ذاهبة على إيطاليا بالمطار. لأول مرة أشعر أن هناك تغييرًا في التصرف مع هذا الجواز. في السابق كنت دائمًا يسألوننا ما هذا الجواز؟ لأنه لا يشبه الجوازات الأخرى. ما هذا الجواز الذي تحملونه؟ أعتقد حتى التطور الفلسطيني أصبح في تطور إيجابي كبير جدًا. رغم كل الألم، رغم كل التحديات، رغم كل القهر والظلم، إلا أنّنا بالاتجاه الصحيح نحو البقاء بكرامة.
أحمد البيقاوي: دكتورة كيف نعرِّف الطوارئ؟
سائدة عفونة: حلو السؤال، الطوارئ قد تكون احتلال، قد تكون استعمار، قد تكون زلزال، قد تكون وباء مثل كوفيد" وباء كورونا". فالطوارئ علميًا حالة من اللا طبيعية، نتيجة لتدخل إمّا طبيعي أو بشري. ممكن أن يكون عبارة عن اقتتال أو حرب أو احتلال، أو صراع داخلي، نزاع داخلي بين المجموعات البشرية. أو عبارة عن كارثة طبيعية خارجة عن إرادة البشر مثل الزلازل والفيضانات والطوفان وكل هذه الأشياء. أو أزمة صحية مثل وباء كورونا حين حصل. كلها تُقسّم لثلاث أنواع للطوارئ. في فلسطين لدينا عدة أنواع من الطوارئ، لكن الهم الأكبر هو الاحتلال الذي طال كثيرًا.
أحمد البيقاوي: حسناً والتخصص الذي درستيه، التعليم في الطوارئ أو في ظلّ الطوارئ؟ أين بدأ أو ما الدافع له أصلًا؟
سائدة عفونة: بصراحة الدافع له، في 2002كان، لا بدأ بـ 1986، وأنا أُنهي المدرسة، وذهبت للجامعة جامعة النجاح لأدرس. كنت متفوقة كثيرًا وكان عندي أحلام كبيرة جدًا، أنني سأُنهي الجامعة بثلاث سنوات. وأريد أن أكمل بسرعة، وكانت خطتي أنني خلال ست سنوات أكون بدأت الدكتوراه في الرياضيات مثلما كنت مخططة. أنهيت أول سنة بالجامعة على خير وكان كل شيء جيد. مع بداية 1987 -1988 أُغلقت كل الجامعات الفلسطينية لمدة خمس ست سنوات. وهنا بدأت أفكر بالذي يحصل. قبل هذا الوضع ونحن أطفالًا كان يحدث منع تجول، إغلاقات لبعض المدارس، ولكن لم تكن حالة كبيرة. أو أنا لم أشهدها بهذا الحجم. لكن 1987-1988، لمّا أُغلقت الجامعة شعرت بالقهر، القهر الكبير أن كل أحلامي تعطّلت. مثلما يحدث الآن مع طلبة التوجيهي بغزة، كل أحلامهم تعطّلت كونهم ليسوا قادرين على إكمال المدرسة والجامعة. في ذاك الوقت بدأت ألوم نفسي أن حظي ليس جيداً، ولم أنتبه أني لست وحدي، هذا ظلم على المجموعة بشكل كامل وعلى الوطن كله. وبدأ الكثير من الناس السفر خارج البلد للدراسة وإيجاد بدائل، وأنا لم أكن أريد بديلًا، بل أريد أن أظلّ بالبلد، أنا أحب كثيراً أن أبقى بفلسطين. عندي تعلق مرضي معها، فبقيت سبع سنوات حتى أنهيت البكالوريوس. ماذا يعني أن يُنهي أحد بكالوريوس في سبع سنوات وممكن أن تكون ثلاث سنوات ونصف فقط. من هنا بدأت فكرة التعليم في الطوارئ أننا لا نعيش. كان يجب القبول للحالة، واعتبار أن البقاء للاستكمال هو صمود. مع أن الخروج وإيجاد بديل لا يعني عدم الصمود، لأنه أيضًا واحد من السيناريوهات أن الشخص يسافر ويذهب ليجد حلًا آخر، والكثير من الناس فعلوا ذلك. وطبعًا هذا مقبول جدًا فك ل إنسان حسب ظروفه وإمكانياته وقدراته، وكيف تعلقه مع أن كلمة تعلق بكلمة ليست إيجابية ولكن أنا أحب استخدامها، وبهذه الحالة أعتبرها إيجابية. التعلق المرضي بالمكان جعلني لا أرضى أن أتجه إلى حلٍّ آخر. الحالة تكررت مرة أخرى في كثيٍر من المواقف في حياتي وفي حياة الآخرين الذين حولي. وكانت اللحظة الحاسمة، لما َولدت ابنتي رغد. في تلك اللحظة تم توقيفنا عند عودتنا من المستشفى لمدة أربع وعشرين ساعة، ونحن متواجدين في الإسعاف، ومُنعنا من الذهاب لبيتنا في رام الله. وبدأت أفكر أن ابنتي بدأت حياتها وأول ساعات لها في شهر حزيران، وهي داخل الإسعاف تحت الشمس! كانت معرضة للموت، صرت أفكر بأن ما هذه الحياة التي يعيشها الأطفال؟ وهنا بدأت علاقتي بأني يجب أن أعمل شيء للأطفال أكثر. وبدأت بالتفكير عن كيفية العمل وتحديدًا عن التعليم في حالات الطوارئ، وبناء نموذجًا للتعليم أكثر. وقررت أني لا أريد رياضيات مع أنه كان عندي قبول للدكتوراه بالرياضيات، وقلت الرياضيات لن يفعل شيء للفلسطينيين، يجب أن أعمل نظام تعليم مختلف، حتى أستطيع أن أساعد الأطفال الصغار بكيفية إكمال حياتهم؟ . كيف يصبح التعليم هو الذي سيعطيهم الأمل وليس فقط هو الذي سيعطيهم الشهادة. لأن الشهادات لوحدها غير كافية، فنريد إعادة بناء الأمل.
أحمد البيقاوي: دكتورة كثير من التخصصات النادرة، أو هذه التخصصات المميزة والدقيقة. آتية من مكان غربي أكثر بمعاييرها. فعندما يُحكى عن التعليم تحت الطوارئ، هو أصلًا كان يأخذ بعين الاعتبار التخصص هذا بأساسه وتأسيسه حالات استعمارية، مثل التي نعيشها، أو بالأساس فرضًا بدأ الشيء من مكان أحداث طبيعية.
سائدة عفونة: الاستعمار متواجد منذ البدايات، والظلم متواجد منذ بدايات الكون والحياة فهي حالة الطوارئ. لا أحد وعدنا أن هذه الحياة ستكون وردية! بالعكس، في كبد نحن نعيش طوال حياتنا. لكن بالنسبةِ للتخصص هذا أنا لا أعتقد أنهم كانوا يفكرون فينا عند إنشائه. لا أبدًا! لأننا نحن منسيين كنا والحمد لله الآن موجودين. إلا أنه ليس هذا التخصص فقط للوطن العربي ولا لفلسطين. لا، عندما بدأ كان التركيز أكثر على النزاعات الداخلية، التركيز أكثر على الفيضانات، الحروب، الكوارث الطبيعية ومن ثم الاستعمار والاحتلال. لأنه أصلًا لا يوجد دول كثيرة محتلة حتى الآن، أو لا يوجد غيرنا، فلسطين فقط محتلة حتى الآن. فبالتالي لم يكن هذا هو الباب الأول، هناك أبواب متعددة. في كثير من الدول فيها نزاعات داخلية، في كثير من الدول فيها انشقاقات، هذا أو بعض العنصرية أيضا يصلح هناك هذا التخصص. بالإضافة إلى أهم شي الكوارث الطبيعية الموجودة كثيرًا في العالم، وتؤثر كثيرًا بشكٍل كامل على التعليم.
أحمد البيقاوي: حسنًا، هناك مصطلح دكتور صادفني وأنا أقرأ عن حلقة، وهو الإبادة التعليمية. المصطلح هذا نضج فعليًا نتيجة الواقع الموجود في غزة اليوم، والإبادة الموجودة فيه، نتيجة تدمير ما يقارب أكثر من خمسة وتسعين في المئة من المدارس. آلاف الطلاب استشهدوا وعشرات آلاف الطلاب الجامعيين فعليًا حُرموا من استكمال تعليمهم، وهذا له نتائج. لكن مصطلح الإبادة التعليمية هل هو خرج في سياقنا نحن، أو سبق في حالات سابقة ما قبلنا؟
سائدة عفونة: صحيح، يعني أريد أن أنوّه أن هناك أكثر من مصطلح. الإبادة المعرفية، الإبادة التعليمية، الإبادة الثقافية. أول ما نشأ هذا المصطلح نشأ في العراق أثناء حرب العراق، لأنه تم إبادة كاملة لكل الممتلكات الثقافية والتربوية والتعليمية، والمكتبات والجامعات أثناء الحرب على العراق. فهناك بدأ المصطلح وهناك ذُكِر أول مرة في الأدبيات البحثية. أنا أستخدمه كثيرًا حاليًا، وبعض الزملاء والزميلات في العالم يستخدموه، ونحاول تجسيده كمصطلح يتم استخدامه حاليًا. لأن وصف الأشياء بمسمياتها مثلًا الإبادة، ما يحدث بغزة هو إبادة، ما يحدث في فيما يتعلق في التعليم والمكتبات والمتاحف والعملية التعليمية هو إبادة معرفية حقيقية. يجب وصف ما يحدث بغزة بهذه الطريقة. وبالتالي أعدنا إحياء المصطلح كعملية لمحو الذاكرة الفلسطينية في هذا المجال. فأتمنى أن يستخدمه الكل بهذا السياق، مع أنه لم يُستخدم كثيرًا، ولكن أنا من الناس الذين يستخدمونه في كل في الكتابات وأيضًا في أي لقاءات.
أحمد البيقاوي: مهم جدا، دكتورة ممكن أن تساعدينا لنفهم ماذا يعني إبادة مكانية، عفوًا إبادة مكانية يمكن هذه في سياق إعادة إعمار أكثر، لكن الإبادة التعليمية أو المعرفية أو المدرسية. لماذا اليوم عندنا إبادة معرفية ومدرسية وتعليمية، في الوقت الذي دائماً كانت العملية التعليمية تتوقف بالحروب السابقة. في حرب 2014 على سبيل المثال، أيضًا تضررت مدارس وتضرر طلاب، استشهدوا طلاب وطلاب حُرموا. لكن، ما الذي يجعل اليوم فعليًا الأحداث في السنتين التي نعيشها على مستوى التعليم فقط، والمعرفة فقط أن نتكلم عن وجود إبادة علمية أو معرفية؟
سائدة عفونة: التعريف للإبادة المعرفية أو الثقافية والتعليمية، مرتبط بحجم ما يحدث بقلق. إن أكثر من 70 في المئة من المؤسسات التعليمية المدارس والجامعات، تم قصفها بشكل جزئي أو بشكل كلي، المكتبات، المتحف، غزة. الكثير من المدارس إما تم تحويلها إلى أماكن للجوء أو تم تدميرها وقصفها. الطلبة، المعلمون، الأكاديميون، رؤساء الجامعات، مدراء المدارس. تم قتل عدد كبير جداً منهم. تم محو الممتلكات المعرفية. يعني لا يوجد كتب، تم قصف حتى المواقع الإلكترونية، يعني تم حجب وإلغاء وجود المواقع الإلكترونية للمؤسسات التعليمية. فهي عملية إبادة بجميع المستويات، على مستوى البنية التحتية، على مستوى الإنسان، على المستوى المعرفي. فتم إلغاء والكثير من هذه الثلاث مكونات. على المستوى البشري تم قتل رئيسيْ جامعات و500 عضو هيئة تدريس، 10 آلاف معلمًا، عدد الطلبة غير محصور، كم عدد الذين تم قتلهم؟ هذا على المستوى البشري. على مستوى البنية التحتية، أكثر من سبعين في المئة من البنية التحتية تم تدميرها. حتى على المستوى الرقمي، تم حجب المواقع، وجعلها غير موجودة بشكل كامل. على مستوى الكتب، لنقول الخوادم، السيرفرات للجامعات، كل هذا تم إيقافه وحجبه. فبالتالي التواصل البشري بين الناس في الجامعات والمدارس والعالم الخارجي تم إيقافه. فبالتالي نحن نتكلم فعليًا عن إبادة معرفية كاملة حدثت في غزة. لكن تحدثت أني دائمًا أنظر بشكل إيجابي على الأشياء. لا أريد رؤية أن الإبادة تسبب الإيجابية، لا أبدًا! لكن أريد أقول أن الناس في غزة يعملون، الناس بفلسطين يخلقون فرصاً جديدة، فأنا كنت قبل أيام، قد كتبت عن توقف التعليم ولكن لم يتوقف التعلم، هو الفرق بين التعليم والتعلم. أن التعليم الرسمي توقف ولكن الناس تستمر في التعلم، تتعلم كيف تعيش، تتعلم كيف تبقى، تتعلم كيف تتحدى، تتعلم كيف تبني مساحات جديدة للأمل وللحياة. تتعلم كيف تحفظ الذاكرة الفلسطينية وكيف تنقلها. تتعلم كيف تكون إنسان. تتعلم فالناس في غزة والناس بفلسطين بشكل عام لأنه أيضًا في جنين وطولكرم وحاليًا في حصار على كل فلسطين بشكل كامل. تتعلم أن التعلم لا يتوقف ولا يتم تأطيره في مكان. التعلم هو عملية مستمرة للبقاء للوجود للإنسانية، أكتب كثيرًا بهذا المجال، أننا لن نتوقف عن التعلم، ونحن مدرسة سيتعلم منها الآخرون البقاء، سيتعلم منها الصمود، وسيتعلم الناس منّا كيف خلقنا مساحات للحياة رغم الموت. وكيف الموت والحياة أصبحوا توأمين مع بعض، الكثير من الناس تموت تستشهد لكن هناك ناس جدد يولدون ويُولد أملًا جديدًا. وهنا المصطلحات مجازية أكتر منها بمعانيها. فالموت والحياة صاروا شيء واحد وليسوا شيئين في غزة، وهذه مدرسة جديدة اسمها مدرسة الحياة. المشهد الذي صنعوه الناس يوم وقف إطلاق النار وعودتهم إلى شمال غزة. المشهد هذا الكامل للعودة، العودة للاّشيء. الناس ذهبوا ويعرفون أن بيوتهم مدمرة، لا يوجد ولا أي معلم من معالم الحياة، إلا أن جميعهم ذهبوا، الذي حمل أبوه على ظهره، والذي حمل أولاده، والولد الذي حمل أمه. والذين مشوا كلهم مع بعض بمشهد لا أظن أن التاريخ سينساه، حتى لو حاولوا محوه. هذا المشهد هو الحياة، هذا المشهد هو المدرسة. أنا أعتقد أن غزة خلقتها، أن كل الناس عائدين. وأنا سألت الكثير من زملائنا وأحبائنا بغزة: أن ما هو الدافع للعودة؟ مع أنكم تعرفون أنه لا يوجد أي شيء. واحد من زملائي بإحدى الجامعات قال لي: أنا أعرف أنّ بيتي مهدم، وأعرف أنّي لن أجد أي شيء، ولكن أنا ذهبت لأقف على الأرض التي كان عليها بيتي، كي أتذكر أول مرة مشى فيها ابني، وأول مرة تحدثت ابنتي، لما رجعنا جميعنا وقفنا على نفس المكان، وأحيينا الذكريات أحيينا الذكرى من جديد، لماذا؟ لأن هذا المكان سيحكي الحكاية. أعتقد أنّ الأماكن لها صوت، وستستمر بسرد الحكاية حتى لو تم هدم المكان. إلا أن الأثير الموجود في المكان سيستمر.
أحمد البيقاوي: حسناً دكتورة يعطيك ألف عافية. أنا من النوع المتشائم مع ضيوفي، ففعليًا أتحداهم بالشيء العاطفي والرومانسي. لأنه مهم في يومنا هذا، وهو الذي يعطينا أملاً ودافع لكي نُكمل. لكن أحب أن أُفصِّل الأسئلة وأحولها لشيء مادي. نحن نمر اليوم أمام إبادة معرفية، في سنتين من تفاقم فعليًا نقص المعرفة، ونقص التعليم ونقص الدراسة. على مستوى إبادة مكانية، يبدو لي أنه من الصعب جدًا حتى تعويض البيوت والأحياء كما هي وإعادتها كما كانت. ما وُضِّح لي أن كل فكرة الإبادة هي أننا طوال الوقت، نرد عليها بأملنا ودافعنا والتزامنا في الحياة وصمودنا. لكن في شيء أكبر منَّا. إذا أردت أن أتحدث اليوم على نقاش التعليم، أو الفاقد التعليمي أو المعرفي الذي نتكلم عنه، هل يمكن تعويضه قبل أن ندخل بأي تفاصيل؟ الطالب في غزة ضاع منه عاميْن بسياق غزة، أو سنة بسياق انتفاضة ثانية، أو سنتين كورونا، أو أشهر في إضراب معلمين، هل يمكن تعويض الفاقد؟
سائدة عفونة: لا، أنا لا أريد أن أتجه على التشاؤم الذي أنتَ فيه، أنا سأبقى متفائلة.
أحمد البيقاوي: أنا لست متشائمًا، حتى تشاؤمي لا يدعوك لتصبحي متفائلة ونرد على بعض. لا نحن نريد نقاشًا خاٍل من الإجابات، أقصد بعيدًا عن التشاؤم والتفاؤل، شيء موضوعي أكثر. تفضلي.
سائدة عفونة: آثار العدوان على التعليم في غزة لا يمكن إنكاره ولا يمكن التفاؤل بشأنه، هو واقع! المدارس جميعها مغلقة. أكثر من 600 ألف طالبًا توقفوا عن التعليم الرسمي لمدة عامين. أكثر من 90 ألف طالبًا توقفوا عن التعليم الجامعي لمدة عامين. الكثير من المعلمين يعاني من مشاكل لها علاقة بالصدمة، البعض منهم استشهد، بعضهم جُرِح، وبعضهم نزح لعدة مرات. كل هذا مئة بالمئة موجود وطبعاً لا يمكن إهماله أو إغفاله. أو أن نغمض عيوننا أنه لا يوجد تأثير. ولكن بنفس الوقت يوجد فاقد تعليمي رسمي أكيد، يوجد مهارات وكفاءات كان يجب أن يكتسبها الطلبة ولم يكتسبوها. متعلقة بالأطفال الصغار، على فرض من صف أول حتى صف رابع، مهارات متعلقة بالرياضيات والحساب، القراءة والكتابة لم يكتسبوها. أطفال الآن في الصف العاشر يمكن أن لا يعرفوا الكتابة. ولكن في نفس الوقت هناك حالة تعلم أخرى حصلت مختلفة جدًا. لمّا المعلمين والأطفال تواجدوا بنفس المدرسة كمركز للإيواء لهم لم يسكتوا، بل فتحوا تجمعات للتعلم. الأم حين نزحت، واحدة من الأمهات مثلًا حين نزحت، الشيء الوحيد الذي أخذته معها هو حقيبة الكتب لأولادها. في الخيمة جلست واستمرت بتعليمهم. أنا لا أريد أن أقلّل من قيمة ما يقوم به المعلمون كمبادرات والآباء، مقابل على المستوى الرسمي، يوجد فاقد تعليمي الآن تجاوز المئة بالمئة، وكي نعوضه نحتاج على الأقل سبع سنوات كي يُعوض. هناك فاقد تعليمي، أنا قمت بدراسة قبل العدوان على غزة. وحسبت الفاقد التعليمي الناتج عن الإغلاقات المتكررة الناتجة عن إضراب المعلمين، الناتج عن الاحتلال، الناتج عن منع التجول. وكل هذه المناطق قبل 2023، الفاقد التعليمي حينها كان سبعين في المئة. تخيل! هذا قبل! الآن في غزة وفي مخيم جنين وفي طولكرم، الفاقد التعليمي تعدى المئة بالمئة، وتعويضه يحتاج إلى الكثير من السنين. ولكن العودة للمدرسة ليس فقط هو التعويض. لأننا نتحدث عن بنية شمولية للإنسان. الإنسان في فترة معينة يوجد كفاءات معينة يكتسبها. أيضًا يوجد الشيء الأهم التي هي الصلابة النفسية، ليست فقط البنية الجسدية. أيضاً الصلابة النفسية وتأثير الصدمة على الأطفال والكبار. ونحن أيضًا نتأثر مع الصدمات بطرٍق مختلفة. كيف يتم تقوية الإنسان هذا ودعمه نفسيًا واجتماعيًا حتى يقدر ويستمر؟ وكيف هؤلاء الأطفال الذين فقدوا، لم يفقدوا فقط سنوات التعلم، لكن فقدوا فرصة في العيش بشكٍل طبيعي. كيف يمكن أن يعيشوا بأسرتهم ويلعبوا ويبتسموا وهم قد تعرضوا لحالة من مشاعر الفقدان، مشاعر عدم الأمان، مشاعر النزوح، هول المشاهد التي رأوها. من سقوط البيوت، من القتل، من الاستشهاد. من الناس التي على الأرض تحت الركام. كالطفلة الصغيرة التي كانت تقول أنقذوا أمي قبل أن تنقذوني، قبل أن تُخرجوني من تحت الركام. هذه ما الذي سيُنسيها؟ ! لو تذهب إلى كل مدارس الدنيا، لا شيء سينسيها أن كل عائلتها بقيت تحت الركام، وهي الوحيدة التي خرجت. طبعًا غير أننا نعمل معها بطريقٍة ثانية، هنا لا يلزمني أن أعلمها كيف تقرأ وتكتب. يلزمني أن أفهم أول شيء نفسيتها؟ كيف استطاعت التفكير أنه يجب عليها إنقاذ أمها قبلها. فهي وجودها وكيانها مرتبط بوجود أمها الآن الذي فقدته. وفي نفس الوقت كيف أعطيها أدوات للاستمرار بالحياة بكرامتها العالية. طبعًا كرامتها لأنها هي صمدت وبقيت. وفي نفس الوقت كيف أزيدها بأدوات لتقدر تستمر وتروي الحكاية. تروي مشاعرها بتلك اللحظة. تروي الحب الذي فقدته، تروي الخوف الذي عاشته وهي تحت الركام. ما مشاعر الخوف التي عاشتها؟ تروي لحظة حصولها على القوة لتتمكن من التكلم وتصيح وتقول: لا أنقذوا أمي قبلي. فأعتقد نحن بحاجة كي ننفذ فاقد تعليمي ليس على المستوى الرسمي. الحديث الآن وهنا كمختصة بالطوارئ، الحديث الآن عن العودة للمدارس بشكلها السابق ومناهجها القديمة، هذا إجحاٌف جديد وظلم كبير لكل التجربة التي عاشتها غزة. لأن العودة وكأنه لم يحصل شيء، والتعامل معهم، ونبدأ بتعليمهم الحروب الصليبية وكيف نصلي وكم جدول الضرب؟ كل هذه الأشياء بحالتها السابقة لا تصلح الآن للتعليم في غزة. نحن بحاجة لأولويات جديدة حتى يتعلموها، ومناهج جديدة مختلفة كثيرًا عن السابق.
أحمد البيقاوي: دكتورة ما تكلمتِ فيه مثالي. أنا لست في المحل الذي أقلّل من أهمية القيم التعليمية أو التعليم، أو كل محاولات أو مبادرات لتعويض التعليم بشكل مباشر من الأساتذة ومن غيرهم. وبالنسبة لي أقرّ بأن التجربة التي يعيشها أطفال غزة وأطفال مخيم جنين أو مخيمات طولكرم تحديدًا، أنشأت عندهم قدرات ومهارات لا منهجية. نحن لا يمكن أن ننكرها ونرى الشيء هذا بالصحافة والإعلام. لكن أريد العودة للمسطرة (المعيار)، لأنه هنا لا يوجد مسطرة، بل هنا في شيء جديد، نحن نحاول فعليًا أن نعمله. مثلاً مثل ما حضرتك تفضلتي وهو مهم جدًا، أنه لا يمكن أن يعود هؤلاء الطلاب وكأنهم لم يتعلموا شيء بالسنتين الماضيتين، فمن المهم أن الأساتذة وهذا أعتقد بفلسطين دائمًا كانوا يأخذونه بعين الاعتبار. رأيناه بالانتفاضة الثانية تحديدًا، الأساتذة كيف كانوا يتكيفون أكثر مع المناهج الموجودة ليعوضوا النقص. لكن بالأساس سأعود للتعليم النظامي، لماذا؟ لأنه في سوق مثلما يوجد سوق عمل يوجد سوق تعليم. يعني لا يمكن للشخص الدخول للجامعة من غير أن يُنهي توجيهي بمجموعة من المؤهلات. وإذا دخل الجامعة يتعرض لصدمة، لأنه لا يستوفي جدول الضرب أقل شيء. لكن دعيني أسألك سؤالاً، هل يُفترض أصلًا بالنظام الرسمي ونظام التعليم الرسمي أن يفترض دائًما بأحداٍث مثل هذه ويضع آليات لتعويضها؟
سائدة عفونة: الوزارات في هكذا مواقع تقوم بعدة استراتيجيات مختلفة، لتعويض جزء من الفاقد التعليمي. مثلًا ما يُسمى بتسريع التعليم. ما هو تسريع التعليم؟ الوزارة الآن جعلته هكذا، أن الطلاب الذين بالصف الرابع لما بدأت الأحداث الآن المفروض أن يكونوا في الصف السادس. تقوم بإعطائهم السنتين بسنة واحدة وترفيعهم بشكلٍ تلقائي. وتعود لتراجع ما المهارات الأساسية التي تعتمد على بعض، الذين في صف خامس وسادس على سبيل المثال، وتعطيهم إياها بوقٍت مكثف وسريع ويترفعون للصف السادس. فهي تتعامل مع الفئات العمرية وليس مع المراحل الدراسية. هذا واحد من الحلول التي يمكن أن تُنفّذ. الحل الثاني أن نعمل تعليمًا موازيًا بنفس الوقت. على سبيل المثال، الآن مثلًا بالصيف في جنين وغزة سيكون موجود ما يُسمى بالمدرسة الصيفية. الطلاب سيتعلموا كل ما لم يتعلموه خلال الفترة الماضية بفترٍة قصيرة. طبعًا لن يعلموهم، يعني سيلغون الكثير من الحصص، سيلغون الكثير من المواد. سيتلقون فقط الكفاءات الأساسية، المواضيع الأساسية التي يجب التعامل معها. ويصنعوا تعليمًا موازيًا بنفس الوقت. يدخل الطلبة على المدارس، يكون الطالب بصف خامس أو بصف سادس، يأخذ الأشياء الأساسية من الصف الخامس، ويُكمل بالسادس حتى يكون مع الطلبة الآخرين. في شيء اسمه دمج الصفوف مع بعضها، أن أدمج الصفوف مع بعض. وهذا واحد من المقترحات التي طرحتها، أن نحول من أول لرابع كلهم مع بعض، من خامس للسابع كلهم مع بعض، من سابع لتاسع كلهم مع بعض، من عاشر إحدى عشر مع بعض، طبعاً الصف الثاني عشر بسبب ما يسمى بالتوجيهي لا يمكننا كثيرًا أن نغير فيه. ويصبح تعليم هذه المجموعات كلها مع بعض، فنسميه دمج الصفوف والمراحل مع بعض. طبعاً يوجد أكثر حلولًا مختلفة. الوزارة تعمل القليل من كل شيء حاليًا. دعني أحكي لك قليلًا أكثر عن الذي يحدث في غزة. في غزة يوجد أكثر من 160 مبادرة مجتمعية حاليًا. هذه المبادرات تغطي حوالي ثلاثين في المئة من الطلبة. طبعًا السبعين في المئة لا، بسبب أن جزء منهم ليسوا قادرين وجزء آخر غادر البلد، أو جزء منهم ليس موجود بمنطقة لا يستطيع ذهنيًا أن يلتحق لكثير من الأسباب. المبادرات المجتمعية هذه تغطي حوالي ثلاثين في المئة من الطلبة. تقوم بمحاولات مرتكزة بشكٍل رئيسي على الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة والعاطفي، والكثير منها يحاول مساعدة الطلبة على الشعور بالأمان، وبنفس الوقت العودة ونسميها الحياة. العودة إلى الحياة العادية. يعني وجود الطفل في مدرسة أو في منطقة تعليمية يؤدي إلى شعوره بأن الحياة عادت طبيعية. يجعله يشعر قليلًا بالأمان والاعتياد. إن عمل روتين هو جزء هام للأطفال ليشعروا أكثر بالأمان. لأن حالة الطوارئ دائمًا تجعل الإنسان لا يعلم ما الذي سيحدث بعد قليل. فحالة الشك هي حالة تؤدي إلى حالة الخوف والتوتر. لكن ذهاب الشخص إلى مدرسة، أو ليست مدرسة بل مناطق تعليمية. لا أريد أن أسميها مدرسة، أو مراكز للتعلم متنقلة تؤدي إلى شعورهم بالأمان. فأنا مع أن نسلط الضوء أيضًا على كل المبادرات التي يقوم فيها المجتمع بشكٍل رائع وجميل. بغض النظر أن نتائجها ليست كبيرة. يعني لن تؤدي لتعويض الفاقد. بأكثر من نسبة 10 إلى 15 في المئة. لكن أين المشكلة الحقيقية الحالية؟ أن وزارة التربية والتعليم لا تنظر إلى المبادرات على أنها فرصة. ولا تستخدمها لأغراض الترفيع. لو تقوم الوزارة بذلك سنوفر كثيرًا من الجهد الذي يُبذل. حتى يترفع الطلبة لاحقًا على صفوٍف أخرى.
أحمد البيقاوي: بذات السياق دكتورة متى لا يمكن تعويض الفاقد التعليمي؟
سائدة عفونة: متى لا يمكن تعويضه؟ لا أعرف كيف سأجيب على هذا السؤال.
أحمد البيقاوي: حسنا سأشرح أنا من بعد إذنك. تعرفين مثل نقاش الصحة النفسية ما بعد الصدمة، أو أني تحت الصدمة فكيف ستعالجني فعليًا؟ ونفس الشيء كيف تفضلتِ أنه بنفس الوقت في مشكلة. الآليات الموجودة هي تفترض أنه حدث زلزال فتوقفنا لمدة أشهر، كيف سنعوضه؟ أو يوجد حرب سنقف عندها، لكن عندما مسيرتي التعليمية تكون كلها قائمة على هذه الأحداث، تصبح الاستراتيجيات أو التكتيكات التي تفضلتِ فيها، لن تساعد كثيرًا، لأنه يوجد مسار تعليمي طويل قائم على العقبات والعراقيل.
سائدة عفونة: أعتقد أن الذي حدث والذي يحدث وهو للآن ما انتهى، فنحن مازلنا تحت العدوان. ما يحدث من المستحيل تعويضه بشكل كامل، لكن بنفس الوقت، لا أحد يفرض أنه يريد أن يعوضه الآن. يحتاج لوقٍت طويل. على سبيل المثال أنا بقيت في البكالوريوس سبع سنوات أتعلّم، وأنا المفروض أن أُنهي دراستي في ثلاث سنوات ونصف. هذه السبع سنوات تركت أثراً في قلبي وندبة. اعتقدت أنه ذهب من عمري أربع سنوات. لكن هو فعلياً مع الوقت لا تعد تنظر إلى الموضوع بتلك الطريقة، لأنني بالتأكيد اكتسبت خبرات وأشياء أخرى. الأطفال هؤلاء بحاجة لكثيرٍ من الوقت، بحاجة لبرامج، الكثير من الدعم. أهم شيء الناحية النفسية والتركيز على الرفاهية، وهنا على الرفاه للأطفال والرفاه ليس من الرفاهية. الرفاه يعني التابع للأطفال يعني صحتهم الشمولية. هذا الذي لا أعرف كم يمكننا أنه نعوضه. الطفل الذي فقد عائلته، الطفل الذي رأى رأس يتطاير أمامه، هذا الذي سنعوضه، هذا الذي سنساعده. أكثر من أنه تعرض لنقص في التعليم. يمكن أنت تلاحظ الكثير من أهالينا وأجدادنا كانوا لا يعرفون رياضيات ولكن يمكنهم أن يقوموا بعمليات الحساب، لم يدرسوا رياضيات بالمدارس، لكن يعرفون الحساب. لا يجيدون القراءة لكنهم يجيدون التفكير ويفهمون المسموع، ويعرفون كيفية إيجاد حلول. فبالتالي التركيز على الأمية القرائية ليس هو فقط المطلوب، لأنه الآن ستصبح نسبة الأمية القرائية عالية. أيضًا نريد الأمية الرقمية، الأمّية الحياتية. أيضًا نريد المساندة كي نصل لحالة المساندة النفسية والاجتماعية. وهذه النقطة الأهم الآن، كيف يمكن أن نساعد الأطفال والأمهات الشباب؟ حتى يعيدون بناء صلابتهم النفسية، ويقبلون أنفسهم ويستمرون بالحياة. ولا تظل الندوب التي تركها العدوان تؤلمهم بشكل كامل لتوقفهم عن الاستمرار. فإذا أردت التكلم عن أولويات التعليم للفترة القادمة. الأولوية الأولى هي الإسعاف النفسي الأولي. هذه أول خطوة، كيف عليَّ أن أقبل الذي حدث؟ لا أقبله لأنه صار لأجلي ولا أن أقبله لأنه مقبولًا، فهو ليس مقبولًا. لكن أبتعد عنه وأذهب للمرحلة اللاحقة في حياتي، ولا أتوقف عند هذه النقطة، وكأنني لا أستطيع أن أستمر. وهذا الحمد لله لا نراه الآن. بالعكس نرى الصمود، نرى الاستمرار، نرى الرغبة في الحياة العالية. لكن أعتقد يوجد ناس نحن لا نراهم لأنه لا أحد يسلط الضوء عليهم، وهم المنتكسين نفسياً بشكٍل كبيٍر جدًا، وندوب العدوان تؤثر عليهم وتوقفهم عن الاستمرار، وهذا سيظهر أكثر في الفترة القادمة. خلال حديثي مع الكثير من زملائي من غزة، يوم وقف إطلاق النار لأول مرة وإن شاء الله أن تتوقف قريبًا. كانوا في حالة ذهول وفوضى أكبر من اليوم الذي قبله. لأنه في تلك اللحظة السؤال كان، ما هي أولويتنا الآن؟ ما الذي علينا فعله؟ هل أولويتنا إعادة الأولاد للتعلم؟ أولويتنا إعادة بناء البيت؟ أولويتنا تضميد جروحنا؟ أولويتنا البحث عن بقية أقربائنا؟ ما الأولوية في تلك اللحظة؟ يعني الموضوع كبير جداً ومؤلم كثيرًا، وبحاجة لجهود كبيرة جدًا من المخلصين والمحبين والأحرار حول العالم. في آخر الشهر الماضي كنت في مؤتمر لإعادة إعمار غزة كان في قطر، فكانوا يتحدثون عن حاجتنا لبنية تحتية؟ كم نحن بحاجة لبيوت؟ لمدارس؟ أنا لم يكن همي إلى أي حد نحن بحاجة للمال! بل كم نحن بحاجة للفكر الذي سنعيد بناؤه؟ نحن لا نريد أن نُعيد بناء غزة لتعود فقط غزة التي كانت، نريد أن تعود غزة أفضل مما كانت، بطريقٍة مختلفة ليس ضمن الفكر العالمي ولكن ضمن الفكر الفلسطيني. وهذه هي النقطة الخائفة منها.
أحمد البيقاوي: دكتورة على مستوى المراحل التعليمية من الابتدائي والإعدادي والثانوي ثم الجامعة. واضح لي أنه في الابتدائي يمكن تعويض شيء أسهل من الإعدادي، الإعدادي أسهل من الثانوي ثم الجامعة. وكأنه أيضًا مرحلة الجامعة هي ليست فقط على مستوى نفسي لنا كطلاب. لكن حتى بالنسبة للأساتذة هي مرحلة تقييم الأجيال، بمعنى المرحلة التعليمية السابقة الآن لا يمكن تعويض ما فقدناه فيها. وجاءت مرحلة الجامعة فنجد فعليًا بالسنوات الأخيرة منتشرة عبارات عند الأساتذة وأساتذة الجامعات تحديدًا. مثل طلاب لا يقرأون ولا يفهمون، لا يوجد فكر نقدي، ولا فكر باحث، لا يوجد عندهم وعي. في جانب منه أشياء كثيرة يمكن على مستوى العالم تتعلق بكل نقاش النظام التعليمي. ولكن بحالتنا نحن تحديداً، كيف نعتبر مرحلة الجامعة، هي المرحلة التي من الصعب إذا وصل لها الطالب ما بعد الثانوية، من الصعب تعويض ما فقده على مستوى تعليمي أولاً.
سائدة عفونة: في الانتفاضة الأولى والثانية، كانت المدارس مغلقة، وكثير من الطلاب فقدوا التعليم، حيث كان هناك فاقد تعليمي عالي أيضًا. وأصبحت تتم عملية الترفيع التلقائي، وكان الطالب يصل للجامعة لا يقرأ، لا يستطيع أن يكتب إلا بكثير من الأخطاء. وتلاحظ ذلك الآن على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال كتابة الناس! اللغة العربية لم تعد هي اللغة. الناس لا تقرأ وتكتب بشكل سليم، وصار هناك قبول للأخطاء أيضاً. يوجد جي كامل فقد الصلابة التعليمية التي كنا فيها نحن، أعتقد لستَ أنت، بل أنا والذين بعمري.
أحمد البيقاوي: ضميني معكم.
سائدة عفونة: حين كنّا بالمدرسة، كانت فلسطين بشكل عام والفلسطينيين يُعتبروا من أكثر الشعوب تعلمًا. نحن ندّعي أننا ما زلنا كما نحن. لكنني لست مع الإدعاء هذا. نحن مازلنا نملك الشغف والدافعية للتعلم، هذه لا أحد يستطيع أن يهزها، لكن جودة التعليم ضعيفة جداً. ومخرجات العملية التعليمية في المدارس والجامعات ضعيفة جدًا. مقارنًة في العالم وضعنا جيد جدًا لأننا نعيش في طوارئ. لكن مقارنًة بوضعنا في السابق، نحن غير جيدين كفاية. فالطالب سيصل للجامعة الآن لأنه يترفع بشكٍل تلقائي. هو في مرحلة عمرية جاهزًا ليكون بالجامعة، لكن هو بمستوى معرفي ومهاراتي أقل إلا من رحم ربي. ومن هؤلاء الذين رحمهم ربي؟ الذين عرفوا وعندهم أسرة داعمة، أو تمكنوا وعندهم وعي كافٍ لتفعيل قدرتهم على التعلم الذاتي وقدرتهم على التعلم. حاليًا العالم كلّه موارد، يجب أن لا ننسى هذه القصة. وكلّها موارد مفتوحة ومصادر تعلم مفتوحة مع وجود الإنترنت، مع وجود الكثير من المنصات الإلكترونية التي أنا وأنتَ يمكننا أن نتعلم الآن البرمجة، اللغة الفرنسية، نتعلم أي لغة نريدها أو أي موضوع نريده لوحدنا وبشكٍل مجاني. وكثير من طلبة غزة حاليًا، أنا أتواصل مع طلبة التوجيهي، يتعلمون كيفية كتابة مثلًا السيرة الذاتية لهم، يتعلمون لغات أخرى، خاصة اللغة الإنجليزية للتقديم على مِنٍح جامعية. الكثير منهم يتعلمون كيف يمكن أن يساعد نفسه على التأقلم، ويدعم نفسيته بنفسه. مع وجود كل التطبيقات، مع وجود الذكاء الاصطناعي، مع وجود الإنترنت والمصادر التعليمية المفتوحة، وهذا هو الحل على كلٍ، هذا واحد من الحلول. حين ترجع الدنيا أحسن كيف يمكن أن نفعل القدرة على التعلم الذاتي؟ وكيف نفعل قدرة الإنسان؟ كيف يتعلم لوحده باستخدام الموارد التعليمية المفتوحة؟ لأننا لا نستطيع أن نعوض من خلال المدرسة فقط أو الجامعة. الآن الكثير من طلاب الجامعة يتعلمون برمجة لوحدهم ويصلون ويعملون وهم ما زالوا بالجامعة. من هذا التعلم ومن الكورسات الصغيرة التي هو Microlearning. فهذه هي الفرصة الموجودة حالياً أمامنا لتعويض الفاقد. أن نوعي ونوفر ونعلمهم. أول شيء نركز على صحتهم النفسية، الشيء الثاني نوفر لهم تطوير مهاراتهم في مجال تعلَّم كيف تتعلم أو التعلم الذاتي. والشيء الثالث أن نريهم أين هذه المصادر التعليمية المفتوحة بالذات المجانية منها. موجود منها كثيراً عبر منصات مثل، Coursera إدراك، والعديد من المنصات.
أحمد البيقاوي: إذا افترضت أن الجامعات الفلسطينية تعرف أن تتعاطى مع ظرف الطوارئ، لأنها موجودة معنا وتتعرض لظروف. لكن إذا ذهب طالب من طولكرم أو من جنين عام 2025، إلى الجامعة الأردنية على سبيل المثال في الأردن. أو سافر إلى جامعة في بريطانيا. كيف تصفين لي كأستاذة فعليًا ما ينقص هذا الطالب، مقارنًة بزملائه داخل الفصل والذين عاشوا بظروٍف طبيعية.
سائدة عفونة: حلو السؤال.
أحمد البيقاوي: يحلي أيامك شكرًا.
سائدة عفونة: أعتقد أن هذا الطالب ينقصه الإحساس بأنه عاش بأمان. نحن الفلسطينيون دائمًا ننسى أننا تحت الاحتلال. دائمًا نحاول العيش أننا نعيش بشكٍل جيد، فنجد حتى المؤسسة الرسمية والوزارات والجامعات، لا يتعاملون مع معايير التعليم في ظل الحروب والطوارئ، هم يتعاملون مع معايير العالم كله، الجودة العالمية. وبالتالي هنا يوجد الفجوة، الفجوة الكبيرة التي نعاني منها بفلسطين، أننا نعيش في عدواٍن مستمر ونعيش تحت الطوارئ. ولكن نحن نتعاطى مع المعايير العالمية مثل الناس التي تعيش بأمان وسلامة. فهنا جاءت الفجوة عندنا كفلسطينيين كلنا. أننا نحن نقارن أنفسنا، الطالب عندنا يتخرج بمستوى عاٍل. مثلًا قارن طالب حصل على تسعين من فلسطين، مع طالب ثاٍن حصل على معدل تسعين من دولةٍ أخرى؟ ستجدنا أقوى. لماذا؟ لأن شغفنا ودافعيتنا للتعلم أعلى. ولكن نحن ثقتنا بنفسنا عالية. لأنه جزء من ثقتنا بنفسنا هي الدفاع عن نفسنا، الدفاع عن وجودنا من خلال ثقتنا بنفسنا. فتجد الفلسطيني عنده لا أريد أن أقول عنها غرور، ليست غرور لكن لأنه مظلوم. وينكر الظلم الواقع عليه، هو دائماً يضع نفسه بموقف أنه هو الأقوى. ولأنه يفعل ذلك هو يصبح قويًا. فمن أجل ذلك الفلسطينيين أينما ذهبوا وأنتَ مثال كبير، نثبت أنفسنا ومتواجدين بشكلٍ كبيرٍ جداً وأينما نذهب ننجح. لأنّ النجاح هو جزء من هويتنا، نحن نريد أن نثبت نفسنا من خلال أن ننجح. دعني أقول لك استراتيجية وقائية للدفاع عن النفس كناس مظلومين، أنا تفسيري لها هكذا.
أحمد البيقاوي: كنت مجهز لكِ قنبلة "معلومة صادمة" وهو عن ادعاء الفلسطينيين على أنفسهم أننا نحن أكثر الشعوب تعلمًا وأكثر الشعوب ثقافة. لكن الآن أخذته بسياق الذي هو نفي الجهل، أو نفي الفقدان، أو نفي الحرمان الذي عشناه. عندما أدخل على جامعة أو أدخل على سياق تعليمي مع طلاب آخرين، والمدرس يتعامل معي أن هؤلاء فلسطينيين لا يرحموا بالتعليم ويدرسون ويشدون حالهم. ولأنهم يحافظون على هويتهم، فأنا أيضاً أتقمص هذا الدور بالكامل حتى آخره وأنا مضطر. خاصًة يعني الآن أنتِ نفختيني "علّيتِ من شأني" مرةً أخرى، تقولين لي مثلك تُثبت نفسك في كل مكان. زدتِ عليَّ مسؤولية إضافية. وهي ذاتها لما بسياقات الجامعة كنا نكون بحالة حين يُحكى عن الفلسطينيين، نأخذ الدور لآخره، ونفتخر كفلسطينيين بأننا حصَّلنا علامات عالية.
سائدة عفونة: هذا نحن نمارسه بوعي وبلا وعي. لماذا؟ لأنه هو دفاع عن الهوية، دفاع عن الذات، إثبات وجود، لماذا؟ لأننا محرومين من إثبات وجودنا على الخارطة العالمية. فنحن نثبته كأفراد، وتشابك الأفراد هؤلاء هو الذي صنع ما يحدث الآن في العالم. صنع دعني أقول ظاهرة الفلسطنة. تشابك غير المرئي لكل من يثبت أنه موجود بغض النظر.
أحمد البيقاوي: دكتورة جميل، هذا الكلام بسياق الجامعات في الخارج، بسياقات الجامعات في الداخل هذا الكلام لا يُنفذ، مثلما تعرفين الأستاذ مسخم "حظه قليل" ووضعه ليس جيد، وأنا طالب وضعي ليس أفضل من الأستاذ أيضاً والناس كلها مثلنا. فإذا سأفترض أنه لا يعمل ولا يوجد حالة نفخي "إعلاء شأني"، أنا كطالب وإعطائي مسؤولية وتكبير من شأني وأنا أمسك الدور. يجب أن يتواجد نظام داخل الجامعات الفلسطينية على الأقل الذي يعوض ما فاتني. هل هناك آليات تضعها الجامعات الفلسطينية، أو على مستوى رسمي بلوائح التي تأخذ بعين الاعتبار تعويض الفاقد؟ وهل المدرسين الموجودين في فلسطين أصبحوا متمرسين أيضاً في تعويض الفاقد؟
سائدة عفونة: أعتقد أنّه لا يوجد سياسة لتعويض الفاقد. لكن هناك سياسة لإيجاد استراتيجيات وبدائل لاستمرار العملية التعليمية. يعني على سبيل المثال، أمس أغلقوا كل المناطق في داخل فلسطين، الطلاب كلهم غادروا، أوقفوا الامتحانات، أوقفوا كل العملية التعليمية وحولوها إلكترونيًا. فالآن كان التعليم وجاهي صار التعليم الإلكتروني، هذا واحد من البدائل. الامتحانات كانت وجاهية، الآن أصبحت إلكترونية. أعتقد أنه يوجد مشكلة أيضًا بالطلبة في الجامعات الفلسطينية، أن الطالب أصبح يعتقد ويستخدم حالة الطوارئ لمصلحته بطريقةٍ ليست جيدة؟ كيف؟ يعني الطالب القادم من طولكرم إلى جامعة النجاح، مكث على الحاجز ثلاث ساعات، صار يعتبر لأنه بقي عالحاجز ثلاث ساعات، صار من حق المدرس أن ينجحه. هذه مشكلة كبيرة نواجهها، لأنه غاب عن المحاضرة بسبب منع تجول ولم يتمكن من الوصول، أصبح يجب على المعلم أن يراعيه. طبعًا من منظور إنساني يجب أن يتعاطف مع المدرس وكلنا نتعاطف مع الطلاب، فهم ابني، ابنتي وابن أخي وابنة أخي وابن جاري، فَهُم نحن. فالتعاطف قد يُساء استخدامه ليقلل من جودة التعليم. فبالتالي هذه واحدة من الإشكاليات التي نعيشها نحن. أحياناً يحدث مثل عملية صراعات مؤقتة، ما بين المعلمين أو أعضاء الهيئة التدريسية والطلبة، إلى أي حد يجب أن أشدّ علي ك؟ المعلم الواعي يسعى لأن يشدّ عليك لأنك أنت فلسطيني. يجب أن تعلي من شأننا أينما تذهب. غدًا ستسافر، وعليك أن تكون على قدر المسؤولية، سنقول أن جامعة معينة هي جامعة جيدة جداً وهكذا. الطالب يعتقد في هذه الحالة أنه ضُغط عليه، والمعلم هذا لا يتعاطف معه. الشعب الفلسطيني والطالب الفلسطيني هو طالب مأزوم مضغوط يعاني من الظلم؟ نعم كثيرًا، ولكن بنفس الوقت لا يوجد أمامه خيارات إلا أن يستمر ويتعلم، ويكمل ويبحث عن الفرص مع ارتفاع نسب البطالة في داخل فلسطين. ويجب أن يبحث على فرٍص خارجية كبيرة، حتى يقدر أن يستمر. فلا يمكن أن نقول أن الطالب ضعيف، هو مظلوم! أيضًا يجب أن نجد شيء ينتشله على مستوى المؤسسة.
أحمد البيقاوي: ذكرتيني دكتورة بنقاش معين. الطالب الذي بقي في الجامعة لمدة سبع سنوات و ثماني سنوات لأنه اعتُقل سنتين أو ثلاثة. فهو أصلًا بين الطلاب وعند الدكتور هو هيبة وعنده هالة كبيرة. ويستطيع أن يغلق الجامعة ويقدر أن يعمل أشياًء كثيرة. وإذا كان فعليًا يعمل في تنظيم، يعني ينتمي إلى تنظيم ما، أو مرتبط بجهاز أمني ما أو وزارة ما. فيكون عنده المجموعة الكاملة، هو ليس فقط وقف على الحاجز سبع ساعات وطلب من الأستاذ أن ينجحه. لا هنا يجب أن يأخد شهادة شرف. يشعر أنه يجب أن يأخد وليس أن ينجح. ولكن يجب أيضًا أن تقدَّر كل هذه الأدوار الكثيرة التي ينفذها خارج سياق التعليم. بذات السياق هذا، نحن نتكلم على الطلاب، وأحيانًا ننسى المدرسين الذين هم يعني مثلما حكى الأستاذ زياد خداش في حلقة في تقارب. يقولي لي: أن الأستاذ صار مسخم "وضعه غير جيد"، يعني الطلاب ينظرون إلي ويقولون لي: أنت أستاذ أو شيئاً آخر! فأنا أنظر إذا كنا نحن نتكلم على حصار، نحكي على إبادة، نحكي على قتل، نحكي على فقر، نحكي على عدم نزول رواتب، نحكي على وضع اقتصادي، نحكي على كل الأسباب التي كسرت هيبة الأستاذ وهالة الأستاذ. فقدان الأستاذ لثقته بنفسه. وأيضًا فعليًا فقدانه لثقته بالعملية التعليمية ككل، مع الإجراءات التي أنتِ تكلمتِ عنها، وهذا الكلام إلى أيِّ حد يؤثر؟
سائدة عفونة: دعني ألخصهم لك بمصطلح آخر هو الاحتراق الوظيفي للمعلمين وأعضاء الهيئة التدريسية، سأضعه في هذا السياق. صحيح، كل الذي تكلمتَ فيه يؤثر بشكلٍ كبير على هيبة المعلم، على قدرته، على سلطته. أنا عندي الآن وجهة نظر ثانية عن السلطة، أن التعليم هو عملية إنسانية بحد ذاتها، وهو أصعب مهنة في العالم هو مهنة المعلم. لأنك تريد أن تكون إنسان ليس على مستوى أنك وُلدت إنسان! ولكن على مستوى أن تمارس إنسانيتك في كل ثانية، مع مجموعة من الأفراد المتغيرين المتباينين المختلفين عن بعض. فأنت في كل لحظة تريد أن تمارس إنسانيتك مع أنك تتعرض للظلم والاحتلال. مع أنك تتعرض للحواجز، مع أنك تتعرض لنقص الرواتب، مع أنك تتعرض لكل الاحتياجات الاقتصادية. إلا أنه رغم ذلك تستمر في إثبات إنسانيتك. فالمعلم فعلاً مسكين ولكنه عظيم. والمعلم حالياً في كثير من المناطق، يعني في غزة في جنين في طولكرم، أثبت إبداعه وقدرته على الابتكار. سأتكلم عن إحدى المعلمات التي حملت لوحاً خشبياً، وصارت تمشي بين الخيم وتعلم أي طالب تقابله، وتحفظه أنشودة لإعادة بناء الأمل. هذه المعلمة العظيمة من دفعها لفعل ذلك؟ ما الذي دفعها؟ إنسانيتها وإيمانها برسالتها، هو من دفعها للمشي بين الخيم بغزة. حاملةً على ظهرها لوح وقلم أو طبشورة أو فحم. وتعلم الأطفال أنشودة عن إعادة بناء الأمل لكل طفل تراه. تعطيه الجرعة وتذهب، أو تعلمه كتابة اسمه. هذه المعلمة متعرضة للقصف، نازحة مرات عدة، لا تملك مالاً لشراء الخبز. كل هذا لم يُوقفها من الاستمرار. أنا أعتقد أن المعلمين الفلسطينيين محاربين ثوار، يستمرون بالعملية التعليمية رغم كل الاحتراق الوظيفي الموجود عندهم. لا يوجد عندنا حلول ثانية غير أن نستمر وهم أن يستمروا أيضاً. لكن التعليم الآن لا يشبه التعليم في الماضي، كان سابقاً أقوى بكثير. لكن الآن فرصه أعلى بكثير، مع وجود كل الانفتاح العالمي والموارد التعليمية المفتوحة وشبكة الانترنت. إلا أنه طبعاً في أي لحظة يتم السيطرة عليها وإسقاطها. ولكن في حالة عدم إسقاطها هي موجودة، ومتاحة وفرصة كبيرة جداً لنا كلنا.
أحمد البيقاوي: أريد التعقيب دكتورة بسياق النقاش السلطة. أنا أعتقد نحن الجيل الذي كُ سِرت سلطة الأستاذ أمامه. أتذكر كانوا الأساتذة أمامنا يحملونا جميلة "يمنّوا علينا"، أو يستنكرون، و يذكرونا أنهم عندما كانوا يمشون في الشارع كان الطلاب يهربون منهم. أو كيف كان سلوك العائلة أو المجتمع فعليًا مع الأستاذ، عبر منحه حصانة وكل السلطة حتى يستمر، وبجانب كبير منها أعتقد أنه سلبي جدًا. فأعتقد أن هذه الحالة السلطوية السلبية التي تفضلتِ فيها حضرتك، والتي تنفي جانب من التجربة الإنسانية. ذهبت منذ فترة واليوم قلَّت أكثر. لكن أعتقد هناك شيء يتعلق بمكانة الأستاذ ليس من مكان سلطته، بل من المكان الذي هو بحاجته. حتى يعرف أن يعلم، حتى يُلهم، حتى يحرض الطالب على الإبداع. في هذه الصورة أعتقد أن هناك شيء ما قد تغير، لكن أحيانًا أفكر أن عند الطلاب أيضًا هناك شيء قد تغير. هل نستطيع أن نقول أن مكانة الأستاذ ككل في المجتمعات تغيرت، لأنها أيضا عند أهل الطلاب تغيرت؟
سائدة عفونة: إذا ذهبنا إلى مكاٍن ثاٍن بالنقاش، العلاقة لأطفالنا حالياً وطلبة المدارس، أنهم تفوقوا على أهاليهم وعلى أساتذتهم في مجال الرقمنة. وصاروا هم مواطنين في العالم الرقمي. المعلم أو ولي الأمر الذي لم يواكب هذا الموضوع، اختلّت صورته أمام طالبه. لأنه لم يعد هذا المعلم يمتلك معرفة ومهارة أعلى من الطالب. فهنا صار فيه اختلال! وهذا نراه كثيراً. مثلاً حين يطلب الأمهات والآباء من أولادهم المساعدة في كثير من الأشياء الرقمية. المهارات المطلوبة للمدرسة المستقبلية، إذا المعلم لم يواكب وأخذ هذه المهارات، وتدرب واستثمر بنفسه. وأنا ألاحظ الكثير من المعلمين حاليًا، بالذات الآن لما أصبح هناك تعلمًا إلكترونياً أكثر طلبوا تقاعد مبكر. وضحوا أنهم استسلموا! أنا لم أعد أقدر أن أعلِّم بهذه الطريقة، الطلبة يعرفون أكثر مني، وانسحبوا من المشهد. فأعتقد نعم هناك إشكالية، إذا لم يواكب المعلم التطورات التي تحدث في العملية التعليمية، وفي سرعة التعلم، وفي التعلم الذاتي. وفي تأثير الرقمنة على التعليم. وحاليًا تأثير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على العملية التعليمية. سيقلل هذا الأمر أكثر من قيمة المعلم لأن الطالب صار يعرف أكثر منه. فهنا نحن أمام مشكلة حقيقية. وعندي سؤال سأتحداك به، هل نحن فعلًا بحاجة للمدارس والمعلمين في هذا العصر الذي نعيش فيه؟ ما رأيك أحمد؟
أحمد البيقاوي: بالنسبةِ لي صراحة بتجربتي التعليمية مع جيلي، كنت أحب جدًا لو أنه لا يوجد مدارس. تلفتني كثيراً، فكرة النظام التعليمي أو المدارس، التي تجعل الطالب يحب الخطابة، يغني، يتعلم موسيقى، تفتح له آفاق. مثلاً أقاربنا الموجودين في أمريكا أحب تجارب مدارسهم، يكون النظام التعليمي عندهم يساعد الطالب على اكتشاف نفسه أن يذهب باتجاه الهندسة، أو ذاهب باتجاه الطب. وأحب جداً أيضًا المرونة بالنظام التعليمي. بفكرة عدم تعويض الفاقد بل ليدفع الطالب على تجاوز شيء هو ليس بحاجته. بمعنى مثلًا كانت تلفتني فكرة في بعض المدارس، يقومون بترفيع الطالب نحو صف أعلى، بدل أن يدرس صف خامس يرفعونه من الرابع للسادس، أو من الثالث للخامس مثلاً. يوفرون عليه سنة من التعليم لأنه اكتسبها أو موجودة عنده. وأعتقد بأنظمة تعليمية مثل هذه كالتي تكلمتِ عنها في البداية، نستفيد منها لأن هناك ناس تحت الإبادة. تابعت أخبار وقصص وقرأت تحليلات، وصارت تفهم أشياء كثيرة، وصارت تعرف فعلياً كيف تحسب لأنها مضطرة أن تتعاطى مع العملة و مع الأرقام الصغيرة والكبيرة. كل شيء صار مفتوحاً أمامها ومضطرة للتعامل معه. يلفتني أيضًا النقاش حول الكلام عن الطلاب أو الأطفال الموجودين، هناك أدوار أكبر منهم فُرضت عليهم. مثلًا في جيل الانتفاضة الثانية كنا جميعًا بالمدرسة علينا أن نكون رجالًا ومناضلين أو مقاتلين، أو نتقمص هذه الصورة بشكٍل مبكّر جدًا وباختيارنا. تعرفين دكتورة، كان هناك موضة وقتها، أن نذهب ونتصور صورة ونحن نحمل السلاح، أو صورة مناضل أو بوستر. هذه حالة عامة فُرضت علينا، أبناء غزة مثلًا، هو لا يذهب بإرادته على مكان كي يتصور، وهو ليس بحاجة للصورة. هو يمارس روتين حياته، عمره عشر سنوات أو إحدى عشر سنوات، يوميًا عنده مهمة أن يجلب المياه. وفي نقاشات اجتماعية جعلت الأب ينسحب من هذا المكان الذي ينتقص من رجولته باعتقاده، ويرسل ابنه بدلًا منه، ليجلب الخبز أو المياه. كنت أسأل عن هذه القصص وأنا أُحضِّر للحلقات، لماذا الأطفال هم الموجودين دائمًا عند أدوار المياه والخبز؟ فنرى معادلة اجتماعية أن الأطفال يتعلمون ويستفيدون أكثر ويكتسبوا تعليمًا أكثر. أنا مثلك أفكر، من المستحيل عودتهم للمدرسة وكأنهم لم يعيشوا أي تجربة. أو أنه بحاجة لتعويض ما فاته في صف ثاني وثالث ورابع. هو فعلياً عوض هذا الشيء. ولكن بالنسبة لي، كل فكرة التعلم خلال ست حصص دراسية، وحصة الفن الحصة التافهة كي يأخذها أستاذ اللغة الانجليزية، لأنه يرانا راسبين، أو حصة الموسيقى نفس الشيء. هذا نظام تعليمي لا أحبه ولن أضع أطفالي فيه.
سائدة عفونة: أحمد، رغم فظاعة المشهد وفظاعة الجرائم إلا أنّنا أمام فرصة لتحرير التعليم، وتحريره من عبودية مؤسسة المدرسة وتحرير كل النظام التعليمي. هو تحرر فعليًا الآن، لكن أتمنى أن لا يعود أحد ويعيده إلى ما كان عليه. بالعكس، نستثمر الانفتاح في التعلم الذي حصل، الأطفال تعلموا كيف يحلون المشاكل، المعلمين خلقوا وأبدعوا في إيجاد آليات جديدة للتعليم، كل هذا يجب أن يتم استثماره لخلق مؤسسة تعليمية متحررة لتحرير النظام التعليمي. ويمكن أن يفكر أحد أنني أُنَظِّر الآن بشكل فلسفي؟ لا أنا لا أُنظِّر بل معتقدة ومؤمنة بأن المدرسة هي نظام عبودي. لم يكن عندنا بدائل في وقتنا. لكن الآن البدائل متاحة لتحرير العملية التعليمية. مع أن التعليم حق والتعلم هو الحق. الاستمرار في التعلم وتوفير فرص التعليم هو الحق. عبودية المدرسة للانتهاء منها، لا نريد حرباً لتكسير المدرسة ولا نريد عدوانًا. أتمنى أن لا يفهم أحد السياق بمنظوٍر آخر. لكن هو حصل وصارت عملية تعلم كبيرة جدًا، ونريد أن نجسِّد عملية التعلم التي حصلت. انبثق نظرية جديدة للتعلم هي في إعادة بناء الحياة. نحن عندما نُولد نتعلم الكلام بدون مدرسة، لا أحد يأخذنا للمدرسة لتعلم الكلام، ولا لتعلم كيفية تناول الطعام، أو نقوم بالحركات أو حتى نبتسم. الذي حصل بغزة حاليًا أو في جنين، الأطفال صاروا أمام إما أن تكون أو لا تكون. فهم قرروا أن يكونوا، فصاروا يعلمون نفسهم كل شيء كي ينفذوه. حتى النساء مثلًا، الكثير منهم عادوا لصنع الخبز على الحطب. صاروا يحرقون كتب المدرسة لإشعال النار. هذا بناء التعلم لأجل الحاجة ولأجل الحياة. هذا ليس شيء مُفرح ولكنه يخلق نظرية الوجود. وكيف يمكن أن نستمر، ولا نريد أن نعود للصفر ل نعلم المعادلة الرياضية هذه، لماذا؟ لأنه عندما حفروا لإخراج طفل من تحت البلاط. رأيت مشهدًا لأطفاٍل يريدون رفع العلم الفلسطيني على واحد من الأعمدة. هذا طبعًا إذا أردت التفكير فيه فهو يحتاج ل معادلة فيزيائية. لكن هذا الطفل طبق الفيزياء ووضع العلم دون أن يعرف ماذا تعني المعادلة الفيزيائية، نتيجًة للتجربة والخطأ. نتيجة للوعي، نتيجة للشغف والرغبة برفع العلم على هذا الارتفاع بدون أن يملك سلَّمًا. وكأنه معه إبرة ويريد أن يوازن بين الخيطان. فبالتالي إثنا عشر سنة من المدرسة لم تساعد الطلاب في تعلم حل المشكلات، إلا أنهم خلال السنة الماضية تعلموا كيف يحلّون المشكلات ويجدوا حلولًا إبداعية. بالتأكيد لا نلزم أن نتجه للحرب ليتعلموا ذلك، ولكن أدعو للاستفادة من هذه التجربة والظلم الكبير الذي وقع، دون أن يذهب وكأنه لم يكن. ونبني على تجارب الأطفال والمعلمين لنظام جديد أكثر تحررًا؟ ويستحقونه أطفال غزة وأطفال فلسطين بكل المعاناة التي عانوها.
أحمد البيقاوي: حسناً لنتحدى بعض قليلًا، اتفقنا أنا وأنتِ قبل قليل على قضية أننا غير ملزمين بالارتباط بقضية المؤسسة التعليمية الرسمية أو المعايير التعليمية الرسمية. ولكن حتى يصبح هناك معايير أخرى هذه هي المعايير. بدأنا حوارنا بالكلام عن الإبادة المعرفية والإبادة المدرسية، والاحتلال فعليًا طوال الوقت يعمل على تجهيلنا وتحويلنا إلى أيدي عاملة رخيصة. الواقع الذي نعيشه يا دكتورة يفرض دائمًا وضع اقتصادي سيء وصعب جدًا. ويجعل الطلاب فعليًا يفكرون في كيفية توفير الأكل والشرب وحياتهم. أعرف أن هذه تجربة الحياة ومدرسة الحياة العظيمة جدًا، التي يمكن أن نتغنى فيها أنا وأنتِ لمدة ثلاثة أيام. ولكن في النهاية هذا لا يُنتج معرفة وتعليم، خاصة مع شكل سياسة ممنهجة من قبل الاحتلال لتجهيلنا. بحالة الضفة الغربية وفي حالة غزة ما قبل 7 أكتوبر بأشهر أو سنة أو أكثر من سنة. كانت الغاية عند الأجيال العمل في الداخل، العمل في الطوبار" البناء". وهنا سياسة لتجهيلنا أو لتحويلنا لأيادي عاملة رخيصة، ممكن أن أنظر إليها بشكل جيد وأن هؤلاء الناس يتعلمون الهندسة والرياضيات بشكل البناء. ولكن بالنهاية هناك سياسة تجهيل تُطبّق علينا. ويجب أن لا نتغنى بها، وأن نكون حذرين فيها، ونتعاطى معها كتسرب من التعليم، من العملية التعليمية ومن التعليم ككل. وبنفس الوقت أذهب لمنطق لدائرة، بالمقابل في مناطق ال48 تحديدًا، رأيت أيضًا كيف يُستخدم التعليم لنزع التسييس عن الناس، أو إخراج الناس من كل سياق العمل السياسي. بمعنى لا داعي ليتعلموا علوم سياسية وعلم الاجتماع وغيرها، يمكن أن يستمروا في دراسة الطب والهندسة وينشغلون فعليًا بالتخصصات العلمية. ويكونوا بعيدين عن السياسة بشكٍل كامل. رأينا هذا الشيء أيضًا عند العاملين بالخدمات الصحية، كم يكونوا متورطين تحت النظام الاستعماري، أو تحت مؤسسات الاحتلال ككل، والذي يجعل من الشخص يملك تعليمًا عظيمًا جدًا ك طبيب مهم جدًا لكن ليس مرتبط بقضايا شعبه أو لا يتفاعل معها. في النقاش الأول مهم أن نظل محافظين على فكرة التسريب من العملية التعليمية أو التسرب من العملية التعليمية. وبذات الوقت العملية التعليمية والإنجاز فيها ليس بحد ذاتها هدف، لأنه أيضًا ممكن أن تؤدي لذات غرض التجهيل الذي تكلمت عنه في النقطة الأولى.
سائدة عفونة: أنت تأخذني على محل ثانٍ بعيد، الذي هو هل النظام التعليمي عنا هو نظام تعليم تحرري أم لا؟ هكذا أنا أريد أن ألخص سؤالك. هل هو يقوم بعملية تثقيف الأفراد مثلما كان المواطنين في السابق مواطنين مقاومين فعالين لفلسطينيتهم. النظام التعليمي الذي تم بناؤه خلال السنوات الماضية هو مُمّول ضمن أجندات الممول. وأجندات الممول قد تتوافق مع أجندات الوطن وقد لا تتوافق، فأصبح هناك غربة كبيرة بالمنهاج. صار الحداثة والرغبة بالحصول على المال هدف، كلنا نريد أن نعيش ونريد مالاً، لكن الطريق السريع هو العمل داخل الطرف الآخر والعمالة الرخيصة، لكن حاليًا مثلًا نسبة الفقر ارتفعت بشكلٍ كبيرٍ جدًا، لأنّ العمال لم يقدرون بعد أن يدخلوا (للعمل في الداخل الفلسطيني)، فبالتالي هذا جزء من الاستعمار. نسبة التسرب بالمدارس قليلة جدًا على فكرة ولكنّها خفية، ماذا يعني؟ إذا نظرنا على نسبة التسرب العادية أجدها لا تتجاوز الثلاثة في المئة، وهي نسبة عالمية جيدة. لكن إذا نظرت إلى نسبة عدد الذين يكتسبون من العملية التعليمية سأجدها ضئيلة جداً، فبالتالي يوجد تسرب خفي! الطلاب يرفّعون بشكلٍ تلقائي. الطلاب ممكن أن يغيبوا دون أن يُسجلوا غياب، الطلاب لا يكتسبوا المهارات المطلوبة، مستوى الامتحانات انخفضت مستوى التقييم قلَّ. والطلاب يعتبرون أنهم أنهوا المدرسة، ولكن فعليًا ممكن لا. هنا لم يأخذوا كل الكفاءات اللازمة. حتى إذا بحثنا عن عدد الطلاب الذين يقرأون رواية، في السابق كنا ونحن صغاراً جميع الناس تقرأ. الآن كم واحد يقرأ؟ ! إلا الذي يجتهد ويطور نفسه. ولكن إذا سألت طالب في الصف السابع وتقول له ما هو آخر كتاب قرأته؟ لا أعرف إذا سيجيب؟ سيقول لك كتاب التاريخ التابع للمدرسة.
أحمد البيقاوي: لكن يمكن أن تسأليه دكتورة ماهو آخر بودكاست شاهدته؟ تجديه قد شاهد أو سمع بودكاستين.
سائدة عفونة: شكرًا، هذا شيء جيد، الآن صار هناك تحولاً وهذا ما كنت أتكلم عنه قبل قليل. أننّا أمام فرصة الانفتاح الكبير على العالم، لكن أيضًا واحد من الأشياء المهمة التي نتعلمها ولكي لا أظلم المدارس أو قراءة الكتب، هو الجلد والصبر والتحمل. كل التعلم السريع الذي يحدث الآن من خلال المقاطع القصيرة، هذه قد تؤثر على الذاكرة البشرية، لأن الإنسان ينتقل بشكل سريع من مشهد إلى مشهد، أو من صوت لصوت أو من مقطع لمقطع. لا أملك دليلًا، ولكن أدعي أنه قد يؤثر سلبًا على قدرة الإنسان على التركيز وبحاجة لأبحاث أكثر حتى أدّعي ذلك. لكن قد يؤثر على قدرة الإنسان على التركيز وقدرته على الجلد، قدرته على الصبر، قدرته على القيام بمهارات دقيقة التي تحتاج إلى وقتٍ لتنفيذها، تؤيدني بهذا الموضوع أو لا؟
أحمد البيقاوي: أنا أؤيدك وأريد أن أعطيك المايك لتعطيني التعقيب لأي شيء فاتنا، لأي شي لم نتطرق إليه. إذا تحبي فعليًا أن نضيف شيئًا أو نتكلم بأي شيء في هذا الحوار. الصورة هكذا صارت أوضح كثيرًا عندي، وصراحة سعيد جدًا من شرح مقولات نحن معتادين نتكلم فيها، تم شرحها وفهمها بشكل علمي وواضح وليس على المستوى النظري فقط، ممنون لكِ وسأعطيك المايك لأننا في تقارب نعطي دائما مساحة حرة لكل ضيف، تفضلي.
سائدة عفونة: في موضوع واحد لم نتطرق عليه أنا وأنتَ وأحب أن أركز عليه، هو الفرق بين الذكور والإناث، مع وجود السيادة في يد الذكور. لأن وجود العلم في يد الإناث بشكل أكبر، الإناث بفلسطين يتعلمون ويهتمون بالتعليم بشكل أكبر. لأن الفرص أمامهم لا تزال محدودة. يخوفني كثيرًا التركيز على معظم الممولين الذين يركزون على تعليم الإناث حاليا في المناطق التي أقل تطوراً. ولكن نحن بفلسطين عندنا مخاطر متعلقة بتعليم الذكور. من أسبابها هو أن كثير من الذكور يريدون أن يبنوا أنفسهم بسرعة فيختارون الطرق الأسهل. واحد من الأسباب له علاقة كالعمل في الداخل. ولكن أيضاً إن تأثير السوشيال ميديا على الذكور أعلى من تأثيرها على الإناث بشكل عام. وهنا هم يريدون أن يصلوا بسرعة كبيرة جداً. أعتقد أنه من الجيد أن ننتبه على موضوع الذكور والإناث والفرق بينهم في العملية التعليمية. لا أن نُخدع بأن الإناث يتعلمون أكثر، لأنه حسب الإحصائيات الإناث نسبتهم أعلى. لكن تأثير تعليم الإناث في سوق العمل الفلسطيني أو في المنطقة المحيطة قليل جدًا. وهذا يعتبر نوع من أنواع الخسارة الاقتصادية. لأنه يتم الاستثمار بتعليم الإناث، لكن لا يوجد أي عائد من وراء ذلك. الشيء التالي الذي أحب أن أنهي فيه، أننا نحن الفلسطينيين موجودين ومستمرين وسنبني الأمل ليس كوهم وإنما كمساحة للوجود. فنحن أو أنا على الأقل أدعو للتفاؤل، التفاؤل الحقيقي الذي يبني مساحات وجودية ويبني رؤية مستقبلية، ولا نقبل أن نكون فقط عابرين من هذا المكان، لا نحن باقون هنا وسنبقى.
أحمد البيقاوي: دكتورة شكًرا جزيلًا لك، يعطيكِ العافية.
سائدة عفونة: الله يعافيك، شكرًا كثيرًا، شكرًا لك ولفريق تقارب.